أصحاب المعالي، أصحاب السعادة، السيدات والسادة، الضيوف الكرام،
يُسعِدُني أن أخاطب هذا الجمع الكريم الذي سيناقش جهود الوساطة السعودية والنرويجية فيما يخص القضية الفلسطينية. نحن نجتمع في لحظة حاسمة في التاريخ، لحظة تتطلب التزامنا الثابت بالعدالة والسلام والحقوق الأبدية للشعب الفلسطيني.
أودُّ هنا تأكيد إدراكنا جميعًا التزامَ النرويجِ الراسخ بحق تقرير المصير الفلسطيني. لقد كانت النرويج داعمًا ثابتًا لحقوق الفلسطينيين، ومساندًا سخيًّا للمبادرات الإنسانية، ولعبت دورًا محوريًّا في تسهيل الحوار الدبلوماسي.
لقد كان للنرويج دورٌ حاسمٌ في التوسط في اتفاقيات أوسلو التي عُدَّتْ آنذاك خطوةً تاريخيةً نحو السلام. فقد وضعت إطارًا للمفاوضات، وأسست السلطة الفلسطينية، وقُدّمت بوصفها طريقًا نحو تسوية نهائية. كانت جهود النرويج صادقةً، وتعكس إيمانها العميق بالحوار والحلول السلمية. علاوة على ذلك، كانت النرويج من كبار المانحين لفلسطين، وساهمت بفاعلية في تعزيز حل الدولتين عبر قيادتها للجنة الاتصال.
لكن، ونحن نستذكر العقود الثلاثة الماضية، لا بد أن نستخلص الدروس من اتفاقيات أوسلو. لقد كان من المفترض أن تكون خطوة نحو إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، لكنها لم تنجح في تحقيق هذا. وبدلًا من إنهاء الاحتلال، أدَّت الاتفاقيات بشكل غير مقصود إلى إطالة أمده.
كان أحد العيوب الجوهرية هو تأجيل القضايا الحاسمة -مثل القدس، وحقوق اللاجئين، والحدود النهائية- إلى «مفاوضات مستقبلية»؛ تلك الغلطة التي وقع فيها جانبا الاتفاقيات. هذا التأجيل خلق وهم التقدم، بينما سمح للواقع القائمِ بالتصلُّب أكثر. مع ذلك، أظهرت اتفاقية أوسلو أن الحوار كان ممكنًا. واللحظة تستحق الذكرى. ولكن يجب ألا نكرر أخطاء الماضي، بل أن نستخلص منها الدروس، وبخاصة خطورة الاتفاقيات التي تؤجل القضايا الجوهرية.
بالانتقال من هذه الدروس، نجد أملًا متجددًا في الجهود التي تقودها المملكة العربية السعودية، التي أخذت زمام المبادرة في تشكيل مسار دوليّ جديد. إن انعقاد الاجتماع الأول لـ«التحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين» في الرياض في أكتوبر 2024م يشير إلى تحول مهم في التفاعل الدولي، وها هما مملكة النرويج والمملكة العربية السعودية تقودان هذا التحالف.
إن موقف المملكتيْنِ واضحٌ، فهما تدعوانِ جميع الدول المحبة للسلام إلى الاعتراف بدولة فلسطين، وتسريع الإجراءات الدبلوماسية لتعزيز الحقوق الفلسطينية، وإنهاء المعاناة المستمرة منذ ثمانية عقود. إنّ الإخفاق المستمر للمجتمع الدولي في وقف العدوان الإسرائيلي وحماية حقوق الفلسطينيين أمر غير مقبول. وترفض المملكتان رفضًا قاطعًا أي محاولة لتهجير الفلسطينيين قسرًا من غزة أو الضفة الغربية، سواءٌ بالقوة العسكريةِ أم بالإفقار الاقتصادي أم بالإكراه الدبلوماسي. إن أي محاولة من هذا النوع ليست خطة للسلام، بل هي تطهير عرقيّ. ويجب أن ندين دون لَبْسٍ المقترحات الأخيرةَ التي تدعو إلى التهجير القسريّ للفلسطينيين من غزة. إن هذه الدعوات التي تقدم التهجير القسري كإجراء إنساني، ليست سوى إعادة تغليف للظلم التاريخيّ. هذه ليست إستراتيجية للسلام؛ إنها استمرار للنكبة بوسائل أخرى. إن الادعاء بأن الحل لجرائم الحرب هو إزالة الضحايا بدلًا من إنهاء الاحتلال والعنف، هو تشويه أخلاقيّ وقانونيّ. إنه يتناقض مع أبسط مبادئ العدالة وحق تقرير المصير. إن المسار الوحيد المقبول هو إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة، وليس محو فلسطين نفسها.
وقد اتخذَتْ بعضُ الدولِ خطواتٍ جريئةً. فقد سلَّطَتْ قضيةُ الإبادةِ الجماعيةِ التي رفعتْها جنوبُ إفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية الضوءَ على الحاجة العالمية إلى محاسبة مرتكِبِي الجرائم ضد الإنسانية. كما أن الحكم الأوَّليَّ لمحكمة العدل الدولية -الذي وجد أدلة معقولة على أن أفعال إسرائيل في غزة قد تَرْقَى إلى الإبادة الجماعية- يمثل لحظة تاريخية للعدالة الدولية. وقد انضمَّ العديدُ من الدول في كل القارات إلى الدعوى، وهو ما يؤكد تحولًا في الموقف الدوليّ لصالح فلسطين، والقانون الدوليّ، والمبادئ الأخلاقية.
في الوقت نفسه، اتخذَتْ دولٌ غربيةٌ مثل النرويج وإسبانيا وأيرلندا وبلجيكا خطوات غَيَّرَتْ المشهدَ الدبلوماسيَّ الغربيَّ عبر الاعتراف الرسميّ بفلسطين. كما أن التحول الأخير في سياسة أستراليا في الأمم المتحدة لدعم السيادة الفلسطينية يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الحياد إزاء الجرائم الإسرائيلية في فلسطين هو بمنزلة تواطؤ. ويجب أنْ لا نُقلِّل أهميّة صدور مذكرات الاعتقال من المحكمة الجنائية الدولية بحق رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت بتهمة ارتكابهما جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة.
في خضمّ التحديات التي تواجهنا، يظل القانونُ الدوليُّ مبدأً مشتركًا وموجهًا لنا. إن التمسك بقرارات الأمم المتحدة واتفاقيات جنيف أساس النظام الدولي. ومن خلال التطبيق الصارم للقوانين الدولية واتفاقيات جنيف، يمكننا أن نضمن السلام العادل، ليس فقط لأجل فلسطين، وإنما للعالم أجمع.
نحن نقف عند مفترق طرق، ويجب أن نتبنى رؤية قوية للسلام، قائمة على القوانين الدولية، والمساواة، وضمانات الأمن المتبادل. إن «التحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين» الذي تقوده المملكتان يُمثِّل منصةً واعدةً. وهو أفضل فرصة لدينا منذ سنوات لتوحيد الإرادة العالمية، وتأمين مستقبل عادل لفلسطين، مستقبل يضمن السيادةَ وحقَّ تقرير المصير والكرامةَ للجميع. وتقع على عاتق المملكة العربية السعودية، إلى جانب النرويج وحلفائها، مسؤولية توجيه هذه الجهود بحزمٍ. إن العالمَ يراقبُ. فلْنَشُقَّ طريقًا لا يقتصر على إدارة الصراع، بل يحلُّه نهائيًّا، مسترشدين بالمبادئ الراسخة للقيم الأخلاقية وللعدالة والقانون الدوليّ.
شكرًا لكم