٢٠ مايو ٢٠٢٥م، الرياض

كلمة صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل في حفل تدشين كتاب "رياض الشعراء في قصور الحمراء"

بسم الله الرحمن الرحيم

يسعدني اليوم أن أكون معكم في هذا الصرح العالمي، نادر المثال في هذا العالم، وأحد معالم تراثه ليس لجماله وفن هندسته وعراقة تاريخه فحسب؛ بل لما يُمثله من رمزية ثقافية، جمعت بيننا نحن العرب والمسلمين وإسبانيا. وأشكر بهذه المناسبة جائزة الملك فيصل، وإدارة الحمراء، وجنة العريف الذين أتاحوا لنا فرصة هذا اللقاء لتدشين صدور كتاب: رياض الشعراء في قصور الحمراء، من تأليف: الأستاذ الدكتور: عبدالعزيز بن ناصر المانع، الحاصل على جائزة الملك فيصل، والأستاذ الدكتور: خوسيه ميغيل بويرتا فلتشث، عضو الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة بغرناطة. وهذا الكتاب الذي يستحق عقد مثل هذه المناسبة العزيزة، يستحضر عبق هذا القصر وتاريخه الثقافي من خلال الشعر الذي ازدانت به جدرانه وقاعاته. وهذا الكتاب الذي يقدم لمحة عن تاريخ الحمراء وبُنَاتها، وقصور الحمراء وبُنَاتها، والأشعار الجدارية لقصور الحمراء: أحوالها وشعراؤها، إلى جانب نبذة عن تاريخ قراءة النقوش الشعرية للحمراء. 

كان يمكن أن يكون لقاؤنا هذا في الرياض لتدشين هذا الكتاب، ولكن لما استشارني الدكتور عبدالعزيز السبيل أمين عام جائزة الملك فيصل حول هذا الموضوع، رأيت أن يكون هذا الحفل في هذا القصر خاصةً وفي مدينة غرناطة العزيزة، وتقديراً للجهود التي تبذل للحفاظ على وهج هذا الإرث المجيد المشترك فيما بيننا، والذي يزوره الملايين من سكان هذا العالم، ويرون قيمة هذا الإرث المشترك. 

تظل الثقافة العربية ذات أهمية كبيرة في تاريخ إسبانيا، وهذا القصر يبقى رمزاً خالدا لهذه الثقافة.

الأصدقاء الأعزاء

منذ خمسة وستين عاماً، وقعت عيناي ووطأت قدماي على هذا الصرح الأسطوري في جماله، والتاريخي ببهائه، فرأيت تلك الجنة التي تغنى بها العرب ماضياً وحاضراً، لكنها في ذلك الوقت كانت ما تزال تحتاج إلى العناية التي تليق بها. 

ولا يزال العرب يتغنون بشعر لسان الدين ابن الخطيب العلَّامة الأندلسي والغرناطي البارز وهو الشاعر، والكاتب، والفقيه، والمؤرخ، والفيلسوف، والطبيب، والوزير في هذا القصر، وشوقه لغرناطة بعد أن هاجر منها إلى فاس لاجئاً؛ إذ يقول في إحدى قصائده:    

جادَكَ الغيْثُ إذا الغيْثُ هَمى

يا زَمانَ الوصْلِ بالأندَلُسِ 

وهذا كان قد انطبق عليً؛ إذ زرتها بعد ذلك مرات عدة، وقد ازدانت واعتُني بهذا الإرث على نحو يليق به، كما نراه اليوم. وها نحن اليوم نستمر بالوصل بالأندلس الذي لم يتمكن منه ابن غرناطة لسان الدين ابن الخطيب؛ إذ اغتيل في سجنه في فاس سنة 776 هـ/ 1374م لكنه خلدها في شعره. ومازلت أؤخذ بروعة المعمار الفنية وبدقه البراعة التي أتت بالماء من الأسفل الى الأعلى لتروي جنانه وبمد انابيبها الى تحفة قاعة الأسود الإثنى عشر التي يصب من كل واحد منها الماء كل ساعة من اليوم. 

الأصدقاء الأعزاء 

عندما أدرجت اليونسكو قصر الحمراء موقعاً للتراث العالمي‏ في عام 1984؛ استند الاختيار إلى المعايير التالية: إنه يمثل تحفة من العبقرية الإبداعية البشرية، وإنه يمثّل صرحاً مهمًّا لتبادل القيم الإنسانية، وإنه مثال بارز على مجموعة معمارية توضح مرحلة مهمة في تاريخ البشرية.‏

 وقد تُنُووِلَ البعد العمراني لهذا القصر والإبداعات فيه كثيراً وعدّه الشعراء العرب لؤلؤة في زمردة، وهو ما أكده الروائي الأميركي الشهير واشنطن أيرفنغ الذي ألف كتاب " حكايات الحمراء" في عام 1832م؛ حيث وصف ايرفنغ هذه الزمردة، أي غرناطة بأنها: مدينة بالغة الفتنة والجمال، تقع في أروع موقع طبيعي رآه في حياته، فأضفى في حكاياته التي جمعت بين الوصف والأسطورة والأحداث التاريخية الحقيقية بُعداً رومانسياً لفت نظر العالم لهذه التحفة البشرية بأبطالها العرب والإسبان.

إن من المهم أيضاً رؤية الجانب القيمي الذي مثله هذا القصر؛ إذ امتزجت فيه القيم الإنسانية باندماج كافة الفئات المجتمعية في غرناطة. إن قصر الحمراء ليس مجرد هيكل مادي مع اهميته، ولكنه شهادة حية على تاريخ غرناطة المتنوع والمتعدد الثقافات. إنه مكان تلاقت فيه في حقبة ازدهاره الثقافات المختلفة. عاش فيه المسلمون والمسيحيون واليهود جنباً إلى جنب، وقد أثر هذا التعايش في جميع جوانب الحياة اليومية. فعلى الرغم من الخلفيات الثقافية المختلفة، فقد نجح مجتمع الحمراء في إيجاد بيئة غنية بالابتكار والفنون. تتجلى مظاهر هذا التسامح في الفن والموسيقا والعمارة والأدب، في جو من الانفتاح الفكري. وتُعَدّ الزخارف والنقوش الموجودة في قصر الحمراء دليلاً على تأثير الثقافات المتنوعة في إنشاء الفنون العربية الإسلامية، وهو ما يؤكد أن التبادل الثقافي هو أحد عوامل نجاح ازدهار الثقافات والحضارات. وما احوجنا اليوم إلى تلك الروح التي تعايشت من خلالها الثقافات المختلفة، لقد كانت قيم التعايش والتسامح التي سادت في الأندلس قروناً عدة هي ما ينبغي استعادتها في عالم اليوم. ولهذا لا غرابة في أن المملكة وإسبانيا كانا شريكين رئيسين في الدعوة إلى الحوار بين الأديان والثقافات والحضارات التي أدت إلى تأسيس تحالف الحضارات، وفي تأسيس مركز الملك عبدالله العالمي للحوار بين أتباع الديانات والثقافات؛ إذ إن إرث الدولتين ومواقفهما يقوم على ترسيخ مثل هذه القيم الإنسانية.

الأصدقاء الأعزاء 

لا حاجة هنا لتأكيد عمق العلاقات بين المملكة العربية السعودية وإسبانيا، فهي علاقة تاريخية راسخة تقوم على التفاهم والتعاون المشترك بين البلدين في المجالات كافة؛ السياسية والاقتصادية والعسكرية والاستثمارية والثقافية والإنسانية، وتؤكد قيادات البلدين على الدوام على أهميةَ هذه العلاقات، وأهميةَ تعزيزها، على نحو يخدم مصالح الشعبين والبلدين.

لقد تعلمت من صديقي الكوبي جوستافو دي لوس رييس Custavo de los Reyes  جملة باللغة الإسبانية كان يمازحني بها وهي:

أى موروس إن لا كوستا

HAY MoRos En la costa

وهى الجملة التي كان يطلقها الإسبان عندما كانوا يرون المحاربين العرب ينزلون على شواطئ إسبانيا وذلك في السنين الغابرة، ولكننا اليوم ها نحن العرب قَدِمنا إلى تلك الشواطئ لنُحيي ذكرى التعايش الحضاري الذي رسم الوجود العربي ذلك الحين، والذي يتجدد اليوم ليس فقط في قصر الحمراء وإنما في كل إسبانيا.  وشكرا لكم.