٥ مايو ٢٠٢٤م، الرياض

كلمة صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل في حفل افتتاح مؤتمر المروية العربية الثاني

الحضور الكرام:

 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فإن الثقافة، هي حينما تُسْتَنْطَقُ الأخلاقُ فتحكي للأجيال قصةَ ذلك الإنسانِ الأنموذج، -وكما يحب أن يكون- في ديباجةٍ من الفنونِ المبدعة والآدابِ المعتبرة.

فلينظر كلٌّ مِنّا في ثقافته السائدة، كي نعرفَ ما حظُّ أبنائنا من الحياة الكريمة؟ وكيف أفهمناهم - نحن - محدداتِ تلك الحياة؟ والأهمُّ، مواطنَ الكرامة فيها؟

الثقافة، هي هدهدةُ الأم وليدَها، وما تهمس به في أذنيه من فضائلَ وبطولاتٍ. 

الثقافة، هي تلك الأهازيجُ المبهجةُ، أهازيجُ الخلودِ والرفعةِ، التي نمنا وأفقنا على رنيمها، في يوم من الأيام، قبل أن نعي معانيها. وهي كل ما أرْوَى به الأبُ ابنَه، رَوِيَّ المروءة والكرم. فليسأل كُلٌّ مِنّا: ما أهازيجُ أبنائنا التي اخترناها لهم؟ وأبطالها الذين ارتضيناهم لهم؟ بماذا يرتوي أبناؤنا؟ وعلام تزهر جِنانـهم؟ أَعَلَى زهور الدِّمن، أم أشجارِ الخلودِ التي طالما تغنت بها أممنا العتيقة؟

الثقافة ليست تشدُّقًا نخبويًّا سخيفًا، أو تغريبًا صاخبًا عقيمًا، أو تلبسًا سياسيًّا غضوبًا. الثقافة، هي اللغة. 

اللغة، التي استجلبت لنا النجومَ، ذات يوم، ورمت بها في حجورنا. اللغة، هي ضميرنا الناطق، الذي ملأنا به الدنيا، عبقريةً وفداءً. اللغة، هي ذلك التحاورُ المبدع البديعُ، الذي استعربت على وقع كلماته الفاتنة، أممٌ وشعوبٌ، فصارت عربيةً. 

حينما نتحدث عن ثقافة الصحراء فنحن نتحدث عن عبقرية لغوية بامتياز، بكل ما يحمله ذلك الفهم من معانٍ.

الصحراء، هي جغرافيا اختارها العرب لأنفسهم. جعلوها موطنًا لهم منذ آلاف السنين.

البيداء، هي موطنُ العربيِّ البدويِّ الحرِّ. 

"بدوي"..... اسم اختاره لنفسه، مشتق من البدء والبدو، هذه الأولويةُ الظاهرةُ يُشتمُّ منها عبقُ الأصل والمبتدأ، أرومةٌ صاغ بها العربي لنفسه تلك الأمثولة الإنسانية الأعلى. 

فالبداوة، هي البدايةُ، وهي النواةُ، التي نبت منها كلُّ شيءٍ عربيٍّ، ذلك المنبت الإنساني المحض، الذي يذكرك دومًا أن تعتاش على القيم لا الأشياء.

والعربي، هو ذلك الذي يُعبِّرُ، فيَعْبـُر من الإبـهام إلى الإفهام، من العُجمة إلى البيان.

 يُعبِّر بحذاقةٍ وتمكُّنٍ عن ماذا؟ عن تلك الأصول الملهمة والمبادئ السامية المحفوظة في روح ثقافة الصحراء. العجمة اليوم ليست عجمةً لغويةً فحسب، ولكنها عجمةُ معانٍ وقيمٍ كامنةٌ في تلك اللغة. تلك المعاني التي حملها العربي معه أينما حلَّ أو ارتحل، ومنها وبها تشكلت ذاتُه. معانٍ شيد بها ذلك البدويُّ الرَّحَّالُ مدائنَ كثيرةً لا تزال تحكي شغف الصحراء وفسحتها.

 ذلك التعبير العتيق الأصيل أمسى مستغلقًا اليوم، فلا يدخل تيه الصحاري سوى العارف بدروبـها الموحشة القاسية. تتوارى في رحابة الصحراء كنوزٌ لا تبديها إلا لأهلها، وسعد الصويان من أهلها.

هو ذلك المدنيُّ والأستاذ العالم الذي عرف شدو الصحاري فتغنَّى بها عمرًا، فكشفت له عن شيءٍ من أسرارها. 

ونحن اليوم هنا نحيِّي أستاذَنا الكبيرَ الذي وَسِعَ ضميرُه الصحراءَ العربيةَ كما وسعته.