٢٨ سبتمبر ٢٠٢٥م، الرياض

كلمة صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل في الذكرى الخمسين لتأسيس صحيفة "عرب نيوز"

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أود في البداية أن أعبر عن شكري وامتناني للأستاذ فيصل عباس، رئيس تحرير صحيفة عرب نيوز، ولسعادة السفير ضياء الدين بامخرمة، سفير جيبوتي وعميد السلك الدبلوماسي المعتمد لدى المملكة على هذه الدعوة الكريمة للتحدث أمام هذا الجمع الكريم، الذي يحتفل معنا بمناسبة مرور خمسين عاماً على تأسيس صحيفة عرب نيوزكما أتقدم في هذه المناسبة إلى صحيفة عرب نيوز والعاملين فيها بخالص التهاني على نجاحهم في تحقيق الرسالة الأساسية التي وضعها المؤسسون.

لقد صدحت هذه الصحيفة الناطقة باللغة الإنجليزية، على مدار الخمسين سنة التي خلت، بصوت المملكة العربية السعودية المعتدل ورسمت صورتها المشرقة. ولولا تفاني جميع العاملين فيها والقائمين عليها لما تكللت مسيرتها الطويلة بالنجاح. إن الاحتفال بهذه المناسبة - العزيزة علي شخصياً - يذكرني ببدايات التفكير في نشر هذه الصحيفة قبل خمسين عاماً، عندما شئت معظم وسائل الإعلام الغربية، وخاصة في الولايات المتحدة، في أعقاب حرب رمضان سنة ١٣٩٤هـ ( ١٩٧٤م) وحظر النفط على الولايات المتحدة، حرباً إعلامية على المملكة بسبب قيادتها لحظر النفط وكان المرحوم هشام حافظ وأخوه محمد حافظ أول من طرحوا فكرة نشر صحيفة ناطقة باللغة الإنجليزية على المرحوم الشيخ كمال أدهم، الذي كان مستشاراً للملك فيصل رحمه الله، ومديراً لمكتب الاتصالات الخارجية التابع للديوان الملكي. وبينما كنا أنا وهشام نعمل في المكتب، تطلب الأمر منا عدة أشهر لكتابة المقترح وعرضه على الملك فيصل. وكان من المقرر أن تصدر هذه المطبوعة الوليدة آنذاك شركة تجارية، ما يستلزم استثناء من قانون المطبوعات المعمول به أنذاك، والذي كان يحصر إصدار الصحف بمجلس إدارة تُعيّنه الحكومة. وكان للصحافي الفلسطيني اللبناني المخضرم جهاد الخازن الذي عين مديراً لتحرير الصحيفة، دوراً مهما في توجيه الصحيفة الحديثة أنذاك، إلى جانب رئيس تحريرها الأول السعودي أحمد محمد محمود. وأدرك الملك فيصل رحمه الله أهمية الفكرة ووافق عليها قبل استشهاده في سنة ١٣٩٥هـ (١٩٧٥م). وفي عام ۱۳۹۸ هـ (۱۹۷۸م) صدرت صحيفة الشرق الأوسط الشقيقة لها، وكما يقال للقصة بقية.

 

شهدت منطقة الخليج مؤخرا هجومًا إسرائيلياً عدائياً غادراً على سيادة دولة قطر، فبينما كانت تتفاوض مع حماس عبر الوسيط القطري استهدفت المبنى الذي كانت تعتقد أن قادة حماس مقيمين فيه بدولة قطر. يُعد هذا الهجوم بمنزلة ناقوس يذكر جميع دول الخليج بأن أمنها المشترك مهدد من جانب دولة منبوذة لا تعير اهتماماً لأي قانون أو قاعدة تحكم العلاقات الدولية والمؤسف أن يحدث هذا الهجوم في ظل وجود أكبر قاعدة عسكرية أميركية في العالم بدولة قطر، إن هذا الهجوم يثير التساؤلات حول مصداقية التحالفات وموثوقيتها عندما تأتي التهديدات من إسرائيل، ويُحتم على دولنا إعادة النظر في طبيعة تلك التهديدات وإعادة بناء استراتيجياتها وسياساتها لتحقيق التوازن بشتى الوسائل لمواجهتها، وعدم ترك إسرائيل تعبث على هواها.

 

الأخوات والإخوة

كما تعلمون جميعاً، لقد كانت منطقة الخليج على مر العصور عرضة لتحديات مستمرة بسبب موقعها الاستراتيجي ومواردها الطبيعية الهائلة وثرواتها، وكينونتها جزءاً من الشرق الأوسط المثقل بالصراعات فالتنافس والتدخل الإقليمي والدولي حقائق تاريخية، لذلك ستظل التحديات السياسية والأمنية تلوح في الأفقوخلال العقود القليلة الماضية، نجحت دول الخليج، المنضوية حالياً تحت مظلة مجلس التعاون لدول الخليج العربي في الحفاظ على أمنها واستقرارها عبر الدبلوماسية والتحالفات الدولية والقوة الناعمة واللحمة الوطنية. وتغلبت على تحديات أمنية جسيمة فرضتها الثورة الإيرانية، والحرب العراقية الإيرانية، وغزو الكويت، وغزو العراق وجميع تداعيات الصراع العربي الإسرائيلي الذي طال آمده. غير أن الحروب الجديدة في الشرق الأوسط التي تشهدها اليوم في غزة ولبنان وسوريا واليمن والسودان بالإضافة إلى الصراع حول الملف النووي الإيراني، تشكل مجموعة جديدة من التحديات الكبيرة التي تزعزع استقرار منطقتنا وتهدد سلامتها الجغرافية ونسيجها الاجتماعي، وفي إطار مواجهة هذه الأوضاع الإقليمية والدولية المقلقة، نجحت دولنا الخليجية في السابق، لحسن الحظ، في تجاوز جميع الأزمات، وستنجح، إن شاء الله، في تجاوز هذه الأزمة.

 

الأخوات والإخوة

لقد نجحت دول مجلس التعاون الخليجي في بناء أنموذج يحتذى من الدول والمجتمعات المستقرة والسلمية والمزدهرة في منطقة الشرق الأوسط المضطربة. ويكمن سر هذا النجاح، قبل كل شيء، في استقرار أنظمتها السياسية واستقرار عملية توريث الحكم في جميع دول المجلس. إن استمرار هذا الاستقرار السياسي الذي افتقدته دول أخرى في المنطقة، مكن قادتها وحكوماتها من التركيز على احتياجات مجتمعاتهم، من خلال توظيف ثرواتها لرفع مستوى معيشة المواطنين، والحفاظ على النظام والأمن الداخلي. وما كان ذلك ليتحقق لولا الحكمة والاعتدال اللذين اعتمدتهما هذه الدول في إدارة علاقاتها الإقليمية والدولية، وتجنب الصراعات كلما أمكن ذلك. يهدف قادتنا في هذه المنطقة، من خلال رؤاهم وخططهم التنموية الجديدة وإصلاحاتهم الاقتصادية، إلى مواصلة السياسات التي من شأنها المحافظة على استقرار الدول والمجتمعات وازدهارها. ولعلكم تشهدون أهداف رؤية المملكة ٢٠٣٠ وتلمسون نتائجها في مناحي الحياة كافة على صعيد الدولة والمجتمع. غير أن نجاحنا لن يكتمل من دون بيئة دولية وإقليمية مستقرة وآمنة تسمح لجميع دول المنطقة بالتعاون بحسن نية في المجالات كافة، والتخلي عن السياسات القديمة التي زعزعت استقرار المنطقة لمدة طويلة، وحرمت العديد من الدول من الاستقرار والازدهار. ولذلك، فإن دول مجلس التعاون الخليجي اليوم في وضع يسمح لها بأداء دوراً بناءً في قيادة المنطقة نحو السلام والأمن مع الدول التي تسعى إلى ذات الهدف، وأن تكون صوتا للحكمة في عالمنا المضطرب. ولكن، مع الأسف، ما تزال العديد من التحديات تشكل مخاطر داهمة على مستقبل منطقتنا والعالم، مما يجعل دول مجلس التعاون الخليجي تبحر بسفنها السلام في بحر لحى وهائج.

 

الأخوات والإخوة

إن دول مجلس التعاون الخليجي وبقية دول العالم تمر بمرحلة تحول عالمي حيث يسود الشك النظام الاقتصادي الدولي، وتتعرض المؤسسات والقوانين والأعراف الدولية لتهديدات مستمرة وتجاهل من بعض الدولإن استقطاب السياسة العالمية والحروب الدائرة في أوروبا والشرق الأوسط، والحروب التجارية خير شاهد على هذه الحال، التي نتجت عن سياسات وخلافات في العلاقات ما بين القوى العظمى المهيمنة على ما يُفترض أن يكون نظام دولي قائم على القانون إن السلام والأمن الدوليين النسبيين اللذين تمتع بهما» العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والتعددية، والاقتصاد العالمي المترابط، والعولمة وما أنجزه العالم في زمن السلم، جميعها مهددة بسبب حالة الشك هذه.