بصفتي الرئيس الفخري للحوار الخليجي الألماني، يسعدني أن أرحب بكم جميعًا في الدورة السابعة للحوار الخليجي الألماني حول الأمن والتعاون، وأخص بالشكر، في هذه المناسبة، مؤسسة كونراد أديناور وجمعية الصداقة الألمانية العربية على الشراكة المستمرة في تنظيم هذا الحوار السنوي الهام، والشكر موصول للبروفسور لامرت وللدكتور أوتو فيشوي وللسيد حسام معروف على جهودهم الدؤوبة المبذولة في تنظيم هذا الحوار.
الإخوة والأخوات
إن موضوع حوار هذه الدورة هو "مجلس التعاون الخليجي وألمانيا والاتحاد الأوروبي: شراكة إستراتيجية جديدة في نظام عالمي جديد"، وبخلاف الجزء الأخير من العنوان، يعد الجزء الأول مهمًا للغاية، فنحن اليوم ما بين نظام عالمي قديم منهار، ونظام عالمي جديد على وشك الظهور، تجسده كلمات الفيلسوف الإيطالي بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، حين قال: "هذا زمن الوحوش"، وما أخشاه هو أن يكون زمن الوحوش قد بدأ الآن، في ظل عدم احترام القوانين والأعراف والقواعد والمبادئ والمنظمات الدولية. فالحرب الإجرامية على غزة، والحرب الروسية على أوكرانيا، والحروب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان وإيران، ورسوم الرئيس ترامب الجمركية وإدارته الشخصية الأحادية الجانب للسياسة العالمية، جميعها حالات تؤكد النهاية المأساوية للنظام الدولي الليبرالي الغربي الذي كان قائماً خلال السنوات الثمانين الماضية، والذي كانت دول مجلس التعاون الخليجي وأوروبا من المستفيدين من هذا النظام العالمي القديم، وآمل ألا تكون ضحايا للنظام القادم. ومن ثم فإن التعاون بين أوروبا ودول مجلس التعاون الخليجي يشكل ضرورة قصوى لها لتتمكن من إدارة مخاطر هذه المرحلة الخطيرة من التحول الكبير، وفي حين أن العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي وأوروبا جيدة على المستويين المتعدد الأطراف والثنائي، فإنني أعتقد أن هذه العلاقات بحاجة للذهاب إلى ما هو أبعد بهدف معالجة التهديدات التي تفرضها البيئات الجيوسياسية الإقليمية والدولية المتغيرة. ونظراً لأهمية هذه الدول بعضها لبعض، يُمكن لها أن تكون قوى مؤثرة وفاعلة في معالجة بعض القضايا، مثل: ترسيخ الاستقرار في سوريا، والاعتراف بالدولة الفلسطينية، وتحجيم الوحوش في تل أبيب، وأن تكون صوت الحكمة في هذه المرحلة الانتقالية، للمساهمة في تشكيل أي نظام متعدد الأقطاب قد يُولد، وأنا على ثقة بأن المتحدثين القادمين سيناقشون هذه القضايا.
الإخوة والأخوات
لقد نجحت دول مجلس التعاون الخليجي في بناء نموذج يحتذى لدول ومجتمعات مستقرة ومزدهرة يعمها السلام ضمن محيطها الأوسع الشرق الأوسط المضطرب، وسر هذا النجاح، قبل كل شيء، كان بسبب استقرار الأنظمة السياسية، واستقرار عملية الخلافة في كل دول مجلس التعاون الخليجي، وقد سمحت استمرارية هذا الاستقرار السياسي، الذي كان مفقوداً في بلدان أخرى في المنطقة، لقادة دول مجلس التعاون الخليجي وحكوماتها بالتركيز على احتياجات مجتمعاتها من خلال توظيف ثرواتها لرفع مستوى معيشة مواطنيها والحفاظ على السلام والأمن الداخليين، الأمر الذي لم يكن ممكنًا لولا الحكمة والاعتدال الذي انتهجته هذه الدول في إدارة علاقاتها الإقليمية والدولية، وتجنب الصراعات كلما كان ذلك ممكنًا. يهدف قادتنا في هذه المنطقة، برؤاهم الجديدة وخططهم التنموية وإصلاحاتهم الاقتصادية، إلى مواصلة السياسات التي تحافظ على دول ومجتمعات مستقرة ومزدهرة. وأعتقد أن الأهداف التي حددتها رؤية 2030 في المملكة العربية السعودية والرؤى الأخرى لدول مجلس التعاون الخليجي الأخرى تركز على التقدم بثقة نحو المستقبل عبر الحفاظ على دول مستقرة ومزدهرة. ومع ذلك، فإننا نؤمن إيمانًا راسخًا بأن نجاحنا سيشوبه النقص في ظل غياب بيئة دولية وإقليمية مستقرة وآمنة، تتيح لجميع دول المنطقة التعاون بحسن نية في جميع المجالات، والتخلي عن السياسات القديمة التي زعزعت استقرار المنطقة طويلًا، وحرمت بلدان كثيرة من مستقبل مستقر ومزدهر. ولذلك، فإن دول مجلس التعاون الخليجي اليوم في وضع يسمح لها بأداء دور فاعل في قيادة المنطقة نحو السلام والأمن مع الدول التي تتبنى الفكر نفسه، وأن تكون صوتاً للحكمة في عالم مضطرب. ومع الأسف، ما زالت هناك تحديات كثيرة تشكل مخاطر محدقة على مستقبل منطقتنا والعالم، الأمر الذي يجعل دول مجلس التعاون الخليجي أن تقود سفينة السلام عبر محيط مضطرب.
الإخوة والأخوات
طلبت مني ذات مرة "نبض برلين" (Berlin Pulse) كتابة مقال حول دور ألمانيا في العالم. فكتبتُ في ذلك مقالًا بعنوان "عالم بحاجة إلى حكمة: أين ألمانيا؟" اختتمتُ هذا المقال بالقول: "في الوقت الراهن، تتحمل ألمانيا، كونها أنموذجًا للنجاح في نظام دولي سلمي ومستقر، مسؤولية خاصة في قيادة الجهود الدولية الرامية إلى تغيير النظام الدولي، حيث لم تستوعب أي دولة الدرس، القائل بأن التغيرات في النظام الدولي قد تصاحبها صراعات أشد وطأة ووحشية، مثلما استوعبته ألمانيا. واليوم، يعد دور ألمانيا البارز في أوروبا والعالم، على سبيل المثال، الذي انعكس في مفاوضات مجموعة الخمسة زائد واحد حول الاتفاق النووي مع إيران، أو كرم ضيافتها لضحايا الحرب السورية، ليس إلا دليلاً ملموساً على قيادتها الصاعدة، فالعالم يحتاج إلى مثل هذا الدور لتجنب المخاطر المحتملة وتمهيد الطريق نحو نظام عالمي جديد". وأود أن أضيف بأن موقف ألمانيا العادل من القضية الفلسطينية يشكل شرطاً أساسياً لتبوؤها مثل هذا الدور النبيل.
- شكرًا لكم -